الخميس، 8 ديسمبر 2016

8:17 ص

هي واحدة من تلك المسلمات التي تستحق التوقف عندها من أجل التحقق والتدقيق، تلك المقولة الإنجليزية : " The devil lies in the details " والتي تعني بالعربية: "الشيطان يكمن في التفاصيل". لقد اعتاد الناس منذ الأزل على تبني مقولات وامثال شعبية للسلف كحجة للاستدلال بها في كل ما يطرح أثناء نقاش قضايا ذات ابعاد اجتماعية و اقتصادية او سياسية و دينية ،إلى أن صارت لدى البعض عقيدة وقرآنا في كل نقاشاتهم. في الحقيقة وبعد بحثي عن مصدر هذه المقولة الغير معروف على وجه الدقة من يكون قائلها ، واسباب ورودها والموقف الدي قيلت فيه، و المغزى الحقيقي منها. إلا أنها لم تنسب في أصلها لأى كان، ولم يتم تحديد على وجه الدقة قائلها.اذ شاع استعمالها في القرون الماضية من قبل شخصيات غربية ،كالمؤرخ الألماني "فاربورج". بحيث انه بمجرد قولها داع صيتها وصارت مقولة يتم الاستدلال بها عند محاولة ترسيخ او الترويج لفكرة بعينها ،وايضا عند كل محاولة لتحجيم العقل والتضليل لمنع الفرد عن التحليل والمناقشة والفهم . فهل فعلا الشيطان يكمن في التفاصيل؟،
 * عكس ما أشيع عن معنى الجملة، وهو أن الإغراق في التفاصيل والانشغال بها يؤدى إلى فتح الباب للشيطان وما يجلبه من شرور ومتاهات تؤدى لمزيد من التعقيدات. يفاجئنا التفسير الغربى لنفس المقولة ،الذي يقول بأن المعنى هنا يقصد به أن تجاهل التفاصيل التي قد يهملها البعض يمكن أن يؤدى إلى الكثير من السطحية وعدم الدقة في العمل أو في تفسير أمر ما، الأمر الذي يفسح المجال لتدخل الشيطان والذي يؤدى إلى حدوث مشكلات حقيقية في النهاية. ففي كل مرة نخوض فيها نقاشا فكريا ما لمحاولة الفهم وسبر أغوار الموضوع،من خلال طرح كل الفرضيات والأسئلة، ودون مراعاة الخطوط الحمراء و ما قد يسميه الكثيرون بالمقدس والمسلمات التي بفعل تكرارها واعتمادها لقرون صارت لها هذه الصفة ،لدرجة أن أصبح يغيب معها العقل والمنطق ومنطق الشك.وصارت كتلك العصا التي توضع في عجلة كل نقاش ،وتجعل عقول البعض متحجرة وتابعة متعصبة لرأي ما،بل يمكن القول ان هذه الفئة تصير كتلك الببغوات تردد ما يقال ودون إعمال منطق الشك، بحثا عن الحقيقة حثى وان كانت نسبية.
 لقد صارت هذه المقولة أداة لدى البعض ان لم اقل الكثيرين، تستعمل للتقويض والهدم ونسف النقاشات المثمرة لكل نقد بناء في كل مجالات حياتنا اجتماعية كانت او اقتصادية اوسياسية اودينية . كما ان هناك من يدفع بطرح اخر ،كالراي الدي أشار له الدكتور" علي درويش" وهو أحد أهم رواد الترجمة المعاصرين والكتاب الجامعيين،في مقال له بعنوان "لغة أجنبية وأصوات عربية: ظاهرة الاستغراب الفكري واللغوي في اللغة العربية الحديثة" "إلى أنه قد حدث انحراف في ترجمة هذه المقولة والتي يرجع أصلها للإنجليزية ونصها: "The devil lies in the details، " وأرجع ذلك إلى أن كلمة devil هنا لم يكن يقصد بها الشيطان كما يتصور البعض ولكن بناءً على تفسير المعنى المراد هنا قُصد بها "العلة"، ليصبح معنى الجملة "العلة تكمن في احالتها في التفاصيل" أي المغزى أو المعنى، مما يحول معنى الجملة بكليته ليضعه في سياق مخالف تمامًا لما اشتهر به هذا المعنى لدينا. مما يطرح علينا عديد الاسئلة من قبيل، ما هو الهدف من ترويج مثل تلك المسلمات؟.
 هل هو تكميم أفواهنا،وتوقف نضج وعينا، وتغييب عقولنا، وتخويفنا من إبداء أي طرح جديد، أو مناقشة أي مسلمة تثير إشكالية عقلية لدى أي لبيب هدفه الأوحد البحث والوصول إلى الحقيقة. ؟
 و لماذا لم ينتشر أيضاً المثل الإنجليزي الذي يعني : " لا تحقرن من شأن الحصى، فمنه تتكون الجبال ". وكذلك مقولة محي الدين بن عربي التي تقول: " كل ما يرد إليك وأنت تجهل أصله، فلا تعول عليه ". 
وأيضا لماذا لا يتم الاخد و الإمعان إلى الآيات القرآنية التي تحثنا علي التدبر والتفكر والتعقل في كل شيء، حتى يصبح إيماننا إيمانآ راسخآ قوامه تلك الأعمدة السالف ذكرها.
 من له المصلحة في تحوير الكثير من المعاني النبيلة إلى سياقات أخرى هدامة؟، هل لهذه الدرجة استشرى فينا الجهل وصرنا نتقبل كل ما يقال لنا؟ ولا نبحث عن الاسباب والخلفيات الدينية والثقافية والمجتمعات.
 كثيرة هي الأسئلة المطروحة والتي تحاول ايقاظنا وتوعيتنا حول المسببات التي ساهمت في إيقاف منظومة العقل وتعطيل الفكر واحجام المنطق والزهد في التنمية الفكرية المستدامة ،بعد ان كنا امة فكر ونبوغ ثقافي. لهذا وجب علينا إعمال عقولنا و نبذ كل ما ينافيها، وليكن مبتغانا وهدفنا الأسمى الحقيقة. ولنتفكر ولنتدبر في خلق الله.وان لا ننسى ان القرآن يخاطب العقل والقلب معا،بل تمت سور كثيرة تدعو للتدبر ..
 ولنعلم أن الحقيقة مثل الشمس لا نحتاج إلى الوصول إليها لكي ندركها، يكفينا فقط رؤية ضوئها ..
 وكم من تفاصيل حياتنا اليومية لانبالي بها رغم اهميتها،و نتغاضى عنها، كما هو حال التفاصيل التي تمر بها أمتنا وما صارت عليه من خنوع وهوان،في كل المتغيرات الجيوسياسية الدولية التي كثيرا ما يعجز عقلنا (الامة)على استيعابها والالمام بمخرجاتها. ربما قد حان الوقت لنهضة فكرية ووعي جماعي بأهمية المرحلة كونها فرصة لليقظة وإعادة النظر في كل المسلمات التي ساهمت في نزع العقل والنقد البناء بعيدا عن السطحية التي صارت مبدأ مترسخ في كينونتنا،والتي أحجمت عنا التفاصيل التي جعلت من قدواتنا وحكماء ومفكري الأمة عباقرة الفكر يستنبط منهم ويدرسون في جامعات العلوم وهم من أسسوا لتاريخنا المشرق الدي كنا فيه بالفعل "أمة اقرأ".
 التفاصيل يا سادة هي ما تصنع واقعنا ومستقبل امتنا،وهي التي تزيل الغشاوة عن أبصارنا وتجعلنا أمام أمر حتمي لا مفر منه. " إما أن نكون،أو لا تكون.." #نفكر،نسأل،ونحاور ..لنحقق المعرفة.
بقلم الكاتب هشام نجاح.

إرسال تعليق